تجمع الباحثات اللبنانيات
الكتاب الأول :
المرأة والسلطات 1994-1995 المقدمة
دلال البزري من أين نبدأ؟ - من العالم بأسره، أم العالمين العربي - الإسلامي، أم لبنان؟ من المحيط الواسع، الذي يصنع الإطار العام، أم الأضيق، أو الأضيق قليلاً، حيث الخاص ثم الأخص من السمات؟ - من التاريخ القريب أم تجلياته اللاحقة؟ من المحطة الأخيرة لبلوغ النسوية أوجها النظري - النضالي، ثم خفوتها وكل ما مهّد لهذا الخفوت أو تسبّب به؟ أم الوصف المفصّل لمشهد. ما بعد النسوية، الذي يضجّ بتناقضات ومفارقات ترتبك أمامها المفاهيم (أو النظريات) المتداولة، منفردة كانت أم متضافرة؟ - من التفسير أم التقييم؟ من محاولة فهم ما يحصل في هذا المشهد بقلب بارد وعيون بعيدة، أم رفضه، بل أحياناً إدانته، بغضب من هو (أو هي) معني بتبعاته؟ ... لائحة الحيرة لا تنتهي زواياها ولا موضوعاتها: فهي لا تطال "منهج" المقاربة فحسب، ولا القدرة على تلبيته ... فهذه لوحدها جديرة بتعبئة طاقات بحثية ذات مدى، قد يؤتى بها وقد لا يؤتى. بل الحيرة أساسها أيضاً وقبيلها سؤال يمتطي آخر: ماذا نريد؟ ولماذا نريد؟ في هذه المقدمة، إن أجبنا عن هذين السؤالين وتوخينا تأجيل ما سبقهما، فسوف نصل إلى خاتمتها؛ حتى لو بقي السؤالان مشرّعان على نفي أحقيتهما على غيرهما من الأسئلة أصلاً بمن ينقضها أو بمن يبلورها أو من يضيف عليها المزيد الخ. إذ أن المطلوب أن تكون الآراء الواردة في "باحثات" لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر تجمع الباحثات اللبنانيات : وهذه الصيغة تلحظها عادة الصفحة الأولى أو الثانية لغالبية الدوريات أو المجلات العربية البحثية أو شبه البحثية... والأرجح أنها تعكس امتعاضاً ضمنياً من أن يكون المشارك في حالة من الابتعاد، ولو الجزئي، عن "أهداف المركز"... أو أنها تعبّر عن تنصّل "المركز" من مسؤوليات اختلاف الرأي وتبعاته المهنية أو السياسية أو التمويلية. أما مجلتنا، فهي عاكسة لتجمع الباحثات اللبنانيات : تَلْتمس الاختلاف في الرأي، ترحّب به، تقول إن مساكنته هي سليلة الحرية... *** لنعد الآن إلى السؤالين، وسوف نحاول البدء بالإجابة عن ثانيهما، أي: لماذا نريد ما نريد؟ لأن ما يتراءى إلى النظر المباشر عن أحوال النساء في لبنان يحتاج إلى من يبوح عنه، وإلاّ بقي مشرّعاً على الاستمرار ...ثم عليها أن تعلم بفطنتها الغريزية غير المُصاغة ولا المنظّرة كلاماً أو مفاهيم: أن الفتاة الموصلة إلى ما ترغب، هي قناة سلطة متنوّعة العبارات، متباينة الأوجه، متعدّدة المستويات... ولكنها تصبّ في حسابات زعماء الطوائف - المذاهب ولا تستطيع عبورها إلاّ بإذعان: إذعان يرتدي أحياناً قناع التمرّد! ماذا نريد؟ نريد مكاشفة الإذعان الحقيقي وما يمتشقه من تمرّد مزيّف. أما وسيلتنا، فلا هي جاهزة ولا هي تفصيلية: بل إن معالمها آتية في دروب عملية المكاشفة الطويل. ثم نحن لا نعرف بالضبط ما يستره محيطنا، ونحدسْ بأن ما بجهله أعظم مما نعلمه: فكيف لنا بالقول الشمولي، الناجز، المنتصر بحقيقته على غيره؟ من هنا، فإن ما نريده، أيضاً، هو من أجل تشجيع وتطوير ملكة الرغبة بالاستكشاف: أما كيف نرى إتمام ذلك؟ هنا، مرة أخرى، لا إجابة شمولية، ولكن بعض المبادئ العامة التي أسرعنا إلى اعتمادها منذ تكوّننا الأول، وأهمها: - تمكين النساء الباحثات من العزّة والكرامة المهنيتين: وذلك بدعوتهن إلى مشاركتنا في أنشطتنا البحثية والحوارية - التمكن من درجة معقولة من الحسّ النقدي الفعلي إزاء أي عمل بحثي أو فكري: وذلك بالاهتمام بالجودة العلمية للبحث، دون المغالاة في العلموية. - الإصرار على التنوّع: ليس فقط في الرأي، بل في الاختصاصات وطرق التناول والكتابة وجنس المشاركين (رجال؟نساء) والأجيال، والجامعات لما تحمله هذه كلها من مرجعيات ثقافية-فكرية مختلفة. أما عن أولوياتنا المعرفية، فتأتي في رأسها مقارعة البديهيات، حتى المكرّسة على أنها علمية، ويندرج تحت هذا العنوان: - الأبحاث الميدانية التي لا نشعر بثقل غيابها إلاّ عندما نشرع إلى كتابة ورقة جدّية - إعادة تعريف المفاهيم وملحقاتها، وحتى النظريات أو شقاً منها: ذلك أن الابتذال أصاب الاثنين نظراً إلى للافتقار إلى التراكم المعرفي المتتابع. - أخيراً، عدم استبعاد التنظير: فهو جهد تجريدي غاية في المنفعة. ولكن ممارسته بحذر الباحث وتواضعه صار ضرورياً، بعدما أخذ على حين غرّة *** هل أصبنا مرمانا في هذا العدد الأول من "باحثات"؟ لا بالتأكيد: ليس فقط بسبب المئة سبب وسبب العملية التي حالت دون هذا المرمى ولعلّ العدد القادم من "باحثات" سوف يضيّق الهامش - إما تعظيم ورضى، لصيق بمنن "وصلوا" - وإما تعظيم المرمى ولن نخفي الكثير إن كشفنا عن تفضيلنا للخيار الثاني: وهو طموح توفّرت مقوماته المادية بالدعم الذي لقيناه من مؤسسة فورد الأميركية.
أما مقوماته البشرية فتجدها في
هيئة التحرير التي أعدّت لمواد "باحثات" وتابعت شجونها: حملت همّ "باحثات" إلى أحلامها، فلم تكلّ