تجمع الباحثات اللبنانيات

الكتاب الرابع: موقع المرأة في السياسي في لبنان والعالم العربي - 1997-1998

الافتتاحية

منى فياض

تعتبر المواضيع التي عالجتها أعداد "باحثات حتى الآن، عن تقاطع اهتمامات مطروحة ومثيرة للنقاش والسؤال. يحمل هذا العدد (العدد الرابع) موضوعة "المرأة والسياسة" أو "السياسي" بحسب التعبير الذي تم استخدامه للإشارة إلى مفهوم أكثر اتساعاً وشمولاً من المعنى السائد للسياسة بارتباطها بالسلطة، إذ يبدو أن السياسة تعريفاً وتقليداً هي ضد-المرأة. فإذا كان الاقتصاد هو من اللاتينية "فن إدارة البيت"، فإن السياسة هي من اللاتينية أيضاً "فن إدارة المدينة. ذلك يعني أنه يمكن للمرأة أن تكون جزءاً من أساسياً، ولو بشكل غير مباشر، من العملية الاقتصادية، لكنها مقصاة، تعريفاً، عن السياسة. لذا جاء "موقع المرأة في السياسي"، للدلالة على أن الهم البحثي في هذا العدد، ليس البحث في علاقة المرأة بالسياسة، بما هي علاقة بين كائن اجتماعي وسلطة فحسب (سلطة إدارية أو برلمانية أو حكومية)، بل بما هي موقع ذو أبعاد متعددة، نذكر منها: والسياسي في مجتمعاتنا وفي عالمنا المعاصر، وكيف تمارس السياسة، وما هي أواليتها وأساليبها وتقنياتها؟ وهل هناك إمكانية لمفهوم جديد للسياسة؟

-البعد الاجتماعي: ما تزار المرأة في بعض المجتمعات العربية حبيسة البيت ويمارس عليها وحيالها العزل "الجسدي" والمؤسسي والقانوني. أما في المجتمعات التي طالها بعض "التحديث"، فصحيح أن "الخاص الاجتماعي" قد توسع ليشمل نشاطاً خدماتياً وصحياً وتعليمياً وبيئياً. لكن ظل "الاجتماعي" هنا دون "السياسي" الذي كان وما يزال حقل الرجل بامتياز. السؤال هنا، لماذا؟ وكيف بإمكان الاجتماعي، رغم اتساعه في بعض المجتمعات، أن يُقلص ليبقى في حدود "الخاص" الأنثوي، الذي لا ينبغي أن يتطاول على "العام" الذكوري؟

-البعد الإنساني والعلمي والثقافي: نمر في مرحلة من الانفتاح والثورة العلمية والإعلامية والمعلوماتية، ويتجاذب مواقع كل من الرجل والمرأة حركتان متناقضتان: حركة العولمة وعالمية العلم من جهة، وحركة الخصوصية والانتماء الأثني والثقافي من جهة أخرى.

فكيف يتأثر موقع المرأة في ظل هذا التقاطع في عالمنا العربي، هل نحو مزيد من التقوقع أم نحو مزيد من المشاركة والفعالية على الصعيد العام؟

اقترحت "باحثات" محاور ثلاثة لنقل الاهتمام البحثي لدى الباحثين والباحثات الذين توجهت إليهم من حيّز الأسئلة إلى حيّز المعالجة مع إبقاء الباب مفتوحاً أما تساؤلات ومقاربات أخرى متعلقة بالموضوع ربما تم إغفاله.

المحور الأول: محور نظري ومفاهيمي عام حول السياسة والمجتمع وتأثير ذلك على موقع كل من الرجل والمرأة في السياسي وفي الاجتماعي، وذلك من منظار "جندري"، أي أنه يأخذ بعين الاعتبار مسألة الأدوار الاجتماعية. كما يسأل: كيف يصبح المرء سياسياً؟ ما هو مفهوم رجل السياسة؟ ما هو موقع المرأة في الخطاب الفقهي؟ وفي أدب المرايا والملوك؟

مع محاولة استشراف وضع المرأة وعلاقته بالثورة العلمية على مستوى الهندسة الجينية.

المحور الثاني: محور حقلي وميداني يمكن عنونته: الواقع والعوائق المادية والذهنية-الأيديولوجية أمام انخراط المرأة في السياسي. وذلك عبر دراسة أوضاع المرأة في المجتمعات العربية، دراسة ميدانية وقطاعية:

    - المرأة والتمثيل النيابي وقوانين الانتخابات.
    - المرأة والموروث المحلي وأثر العادات والتقاليد.
    - المرأة والحركات الثورية.

المحور الثالث: هو محور تجارب وسير لرجال ونساء انخرطوا في الميدان السياسي بطرق مختلفة ولأسباب متنوعة.

كان ما سبق اختصاراً للمحاور الواسعة والنقاط العديدة التي اقترحناها على الباحثين والباحثات للمشاركة في هذا العدد.

وكما في كل مرة، نتلقى كتابات وأبحاث تكون نتيجة التفاعل الذي تم بين ما طرحناه من جهة وبين ما ارتأى الباحث أو الباحثة أن يهتم ببلورته في إطار الأفكار العامة التي طرحت. وهكذا استطعنا أن نعيد ترتيب ما تلقيناه من ضمن أربعة محاور شملت الاتجاهات الأساسية التي كنا قد طرحناها، وأعدنا ترتيبها كالتالي:

المحور الأول: بعنوان "الثقافة تختبر السياسي، المفاهيم والممارسة" في هذا المحور حاول إليا حريق أن يركز بحثه حول مقولة أن السياسي هو ظاهرة سلوكية، تبرز نفسها عبر كل المستويات الاجتماعية، وليس فقط على مستوى الدولة. أما عايشة بلعربي فركزت بحثها على تعارض Dichotomie المساحة العامة/المساحة الخاصة، وحاولت أن تخترق المرتكزات النظرية والأيديولوجية التي يقوم عليها هذا الفصل أو التعارض، انطلاقاً من معطيات التحولات الاجتماعية الراهنة. كما حاول شفيق المصري أن يلقي الضوء على ما تم القيام به حتى الآن لجهة التطور القانوني لحقوق النساء كما أشرفت عليه وخاضته الأمم المتحدة. أما بثينة شعبان، فتستعيد التفاؤل وتحاول أن تركز علة مشاركة النساء القيمة في أزمنة الحرب والسلم، قديماً وحديثاً. ولم نقفل محورنا النظري إلا مع بحث أحمد مغربي الذي حاول أن يرصد التحولات الحاصلة على مستوى الهندسة الجينية في المجتمع العلمي والظلال التي قد ترمي هذه التحولات بثقلها على أفق ومستقبل الحركات النسوية السياسية والاجتماعية وعلى دورهن.

وفي المحور الثاني: "الفقيه والمرأة، حدود الخطاب الفقهي وتوجهاته" يرى رضوان السيد في بحثه أن الفقه الإصلاحي النهضوي واجه وضعية المرأة المسلمة تأسيساً على التماثل مع تحديات الحضارة العصرية واجتهد اعتماداً على مقاصد الشريعة. تعثرت هذه البداية لاحقاً عبر الحركة الاحيائية التي تكرر النصوص نفسها وتنحو مزيد من التأزم. أما محمد الحداد فيحاول رصد الخطاب الفقهي عبر مقارباته الثلاث، الأولى الجدالية والثانية هي المقاربة العنصرية أي ممارسة التجزيء، تحت غطاء الموضوعية، والمقاربة الثالثة هي الميكانيكية التي تمارس الجدل المجزوء والانتقائي. وجاء بحث أبو بكر باقادر ليلقي الضوء على جنس من الكتابات السياسية التقليدية في التراث يدعى "مرايا الأمراء" أو "نصائح الملوك والأمراء" وهو يبحث في آداب التعامل التي ينبغي أن يهتم بها الحاكم كي ينجح في دوره. كما يظهر كيفية تقديم المرأة والأدوار التي أسندت إليها في حياة الملك والدولة.

المحور الثالث: "المشهد السياسي، الواقع ومسائله": يبدأ المحور بتقديم صورة عامة عن وضعية المرأة في الميدان السياسي عبر بحث ملحم شاوول الذي يعرض صورة عن المرأة في المشهد السياسي اللبناني عبر دراسات إحصائية قامت بها عدة مراكز أبحاث ويستنتج منها مفارقة مهمة تطال هذا النوع من الأبحاث هي التالية: المطلوب بحث وضع المرأة سياسياً ضمن نظام اجتماعي قائم أساساً على عزلها. بينما تتابع آديل خضر أثر التعليم على وعي الحقوق السياسية للنساء عبر دراسة ميدانية وتحاول رصد مستوى معرفة النساء اللبنانيات بحقوقهن السياسية، والتي يبدو أنها ما تزال غير مرتفعة. فيما تنقلنا مارغريت حلو إلى الانتخابات النيابية بين عامي 1992 و1996 وترصد وضعية المرأة فيها حيث وجدت أنها صارت في وضع أفضل مما كانت عليه في السابق، وتحاول رصد العوامل التي يمكن أن تشجع النساء على الترشيح للمقاعد النيابية.

بدورها، تقوم منى فياض بعرض المشهد السياسي اللبناني عبر استخلاص آراء النساء حول مشاركتهن السياسية والعوائق أمامهن عبر رصدها لورشة عمل استمرت 4 أيام ونوقشت فيها الكيفية التي يمكن عبرها دعم مشاركة المرأة اللبنانية في الحياة السياسية، والتي لا تعتبر مشاركتها بعد أولويات المجتمع اللبناني. أما فاديا حطيط فرصدت عبر قصص الأطفال الدور السياسي المغفل للبنات، وتظهر كيف يتم إبعادهن عن الحقل السياسي المعتبر كخاص بالرجال، مما يعكس الذهنية التقليدية السائدة. من جهتها اتخذت نهى بيومي من مدينة صيدا ومن تجربة النساء فيها كنموذج، تتبعت عبره وضعية النساء الفاعلات سياسياً في فضاء المدينة، في فترة زمنية تمتد من الخمسينات وحتى الآن. وتأخذنا أنيسة الأمين لرصد ردود فعل الشبيبة (فتياناً وفتيات) على مجزرة قانا تلك المناسبة الوطنية التي ساهمت في انخراطهم في السياسة. تأخذنا من جهتها رقية مصدق إلى المغرب في محاولة لرصد اندماج القوى النسائية في السيرورة السياسية، منذ بدايات الثمانينات، حيث تحاول النساء أن يمارسن فعلاً حقوقهن التي يعترف لهن بها الدستور مع أن الممارسة العملية ما تزال تشكو من الالتواءات والمفارقات.

ولم يغب الهم الجزائري عن هذا العدد عبر بحث جمانة الصوفي ريشارد التي رصدت واقع المرأة الجزائرية في محاولتها لتثبيت كيانها كمواطنة منذ حرب التحرير إلى مشاركتها الحالية في التمثيل السياسي. وتواصل المرأة نضالها بالرغم من العنف والقمع الذي يغرق فيه المجتمع الجزائري.

وكذلك تقوم درية شريفاتتي بتعريفنا على وضع النساء في السياق القانوني وتعرضه لنا من زاوية تاريخية في الجزائر أيضاً.

المحور الرابع: محور سير وتجارب، حيث ارتأينا العودة إلى بعض الذين لهم تجارب خاصة مع السياسة، من رجال ونساء، كي يتمكن القارئ من مقارنة المقاربات الخاصة بكل من المشاركين والمشاركات. نبدأ المحور مع سيرة مناضلة رائدة كانت لا تزال بيننا عندما أقرينا مشروع هذا العدد من المجلة، لكنها فارقتنا في منتصف الطريق شعرنا بالحزن وبالأسف الشديد لفقدنا وجهاً من أهم الوجوه التي ناضلت من أجل تثبيت الحقوق السياسية والقانونية للمراة أي لتحصيل حقوقها كإنسان له وضعية مساوية لوضعية الرجل. إنها سيرة لور مغيزل التي تقصر عن أن تقدم صورة شاملة عنها، حقيقة. كذلك ساهمت معنا المناضلة العريقة من أجل حقوق المرأة ليندا مطر والتي ترشحت إلى المقعد النيابي دون تحضير مسبق ونالت مع ذلك سبعة آلاف صوت.

شارك أيضاً الشاعر عباس بيضون الذي كتب شذرة من سيرة نضاله في الحياة السياسية والعامة عبر الانتماء إلى أحزاب يسارية وعبر اعتقاله مرة من قبل السلطات اللبنانية ومرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي. أما جوسلين خويري فكتبت سيرتها وحي إحدى النساء القليلات اللواتي شاركن في معارك الحرب اللبنانية عبر التزامها بالعمل في حزب الكتائب وفي القوات اللبنانية وتعرفنا من خلال سيرتهاعلى الإنسانة داخلها. بلال خبيز، نقل لنا تجربته في المشاركة في القتال في الحرب اللبنانية وظهرت مفارقة كونه مقاتلاً وشاعراً في نفس الوقت. أما فدا نصر الله فتنقل لنا تجربتها الشخصية في مراقبة الانتخابات في بلدان عدة وخاصة في اليمن.

نختم هذا المحور مع سيرتين لسيدتين كان لهما حضورهما التاريخي المميز في الميدان السياسي المحلي وهما: نظيرة جنبلاط وفاطمة الأسعد.

كما نختم هذا العدد بمراجعة لكتابين، أحدهما لناصيف نصار، منطق السلطة. والآخر سيرة المناضلة الفلسطينية حنان عشراوي.


[الصفحة الرئيسية] [الموضوع التالي]